القرطبي

226

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

الفرض في ذلك بألا يكون هناك غيره قضى عليه بنرميق تلك المهجة الآدمية . وكان للممنوع منه ماله من ذلك محاربة من منعه ومقاتلته ، وإن أتى ذلك على نفسه ، وذلك عند أهل العلم إذا لم يكن هناك إلا واحد لا غير ، فحينئذ يتعين عليه الفرض . فإن كانوا كثيرا أو جماعة وعددا كان ذلك عليهم فرضا على الكفاية . والماء في ذلك وغيره مما يرد نفس المسلم ويمسكها سواء . إلا أنهم اختلفوا في وجوب قيمة ذلك الشئ على الذي ردت به مهجته ورمق به نفسه ، فأوجبها موجبون ، وأباها آخرون ، وفي مذهبنا القولان جميعا . ولا خلاف بين أهل العلم متأخريهم ومتقدميهم في وجوب رد مهجة المسلم عند خوف الذهاب والتلف بالشئ اليسير الذي لا مضرة فيه على صاحبه وفيه البلغة . الثالثة والعشرون - خرج ابن ماجة أنبأنا أبو بكر بن أبي شيبة أنبأنا شبابة ( ح 1 ) وحدثنا محمد ابن بشار ومحمد بن الوليد قالا حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن أبي بشر جعفر بن إياس قال : سمعت عباد بن شرحبيل - رجلا من بني غبر - قال : أصابنا عام مخمصة فأتيت المدينة فأتيت حائطا ( 2 ) من حيطانها فأخذت سنبلا ففركته وأكلته وجعلته في كسائي ، فجاء صاحب الحائط فضربني وأخذ ثوبي ، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته ، فقال للرجل : ( ما أطعمه إذ كان جائعا أو ساغبا ولا علمته إذ كان جاهلا ) فأمره النبي صلى الله عليه وسلم فرد إليه ثوبه ، وأمر له بوسق من طعام أو نصف وسق . قلت : هذا حديث صحيح اتفق على رجاله البخاري ومسلم ، إلا ابن أبي شيبة فإنه لمسلم وحده . وعباد بن شرحبيل الغبري اليشكري لم يخرج له البخاري ومسلم شيئا ، وليس له عن النبي صلى الله عليه وسلم غير هذه القصة فما ذكر أبو عمر رحمه الله ، وهو ينفي القطع والأدب في المخمصة . وقد روى أبو داود عن الحسن عن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا أتى أحدكم على ماشية فإن كان فيها صاحبها فليستأذنه فإن أذن له فليحتلب وليشرب وإن لم يكن فيها فليصوت ثلاثا فإن أجاب فليستأذنه فإن أذن له فليحتلب وليشرب

--> ( 1 ) إذا كان للحديث إسنادان أو أكثر كتبوا عند الانتقال من إسناد إلى إسناد : " ح " وهي مأخوذة من التحول . . . الخ . راجع كتب المصطلح . ( 2 ) الحائط : البستان من النخيل وغيره إذا كان عليه جدار .